المصالح فوق الولاءات... تفكّك الشراكة الأميركية-الأوكرانية المتداعية - وضوح نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المصالح فوق الولاءات... تفكّك الشراكة الأميركية-الأوكرانية المتداعية - وضوح نيوز, اليوم الخميس 1 يناير 2026 07:30 صباحاً

في لحظة مفصلية من الحرب الأوكرانية، كشفت كواليس واشنطن عن تصدّعات عميقة داخل التحالف الأميركي-الأوكراني. طموحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب السريعة للسلام اصطدمت بتعقيدات الصراع الأوكراني الروسي، لتنتج شراكة مهزوزة انعكست مباشرة على ساحات القتال والقرار السياسي.

في تحقيق موسّع، وثقت صحيفة "نيويورك تايمز" القصة الخفيّة لعام من المفاوضات المتعثّرة، كاشفةً كيف اصطدمت وعود ترامب الانتخابية بواقع حرب معقّدة، وكيف تداخلت الطموحات الشخصية والصراعات الأيديولوجية مع قرارات حاسمة اتُّخذت وأخرى لم تُتخذ لتترك آثاراً مباشرة على التحالف الأميركي-الأوكراني وشراكتهما المتداعية.

بينما كان ترامب يسعى إلى اتفاق سلام وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يسعى إلى تحقيق النصر، استنزفت "الفرق" في البيت الأبيض والبنتاغون المجهود الحربي الأوكراني. كشفت 6 نقاط وثّقتها الصحيفة كيف تحوّل وعد ترامب بإنهاء الحرب في أوكرانيا سريعاً إلى مسار معقّد أضعف الشراكة بين اللبدين.

أولاً، اصطدمت رغبة ترامب في التحرّك المبكر نحو التفاوض بعقبات سياسية داخلية. فخلال الفترة الانتقالية، سعى مساعدوه للحصول على رسالة سرّية من جو بايدن تتيح لهم فتح قنوات تفاوض مع روسيا من دون مخاطر قانونية. غير أن بايدن رفض، خشية أن يبرم ترامب صفقة مع موسكو على حساب أوكرانيا، ما عمّق الشرخ المبكر بين الإدارتين وأخّر أيّ مسار تفاوضي منظم.

ثانياً، رغم تلك التحفظات، فتح فريق ترامب قناة اتصال سرية مع الروس. أدّى المبعوث ستيف ويتكوف دوراً محورياً، ما همّش تدريجاً كيث كيلوغ، المبعوث الرسمي لأوكرانيا وروسيا والمعروف بتشدده تجاه بوتين. هذا التحول عكس صراعاً داخلياً في فريق ترامب بين من يدفعون نحو تسوية سريعة ومن يخشون تقديم تنازلات استراتيجية لموسكو.

ثالثاً، شهدت العلاقة مع كييف توتراً أكبر مع قرارات البنتاغون حجب ذخائر حيوية عن أوكرانيا. مدفوعين بقناعة بأن الحرب باتت عبئاً استراتيجياً، رأى مسؤولون مقرّبون من نائب الرئيس جي دي فانس أن الأولوية يجب أن تتحول إلى مواجهة الصين. هذا التوجه تُرجم عملياً إلى تقليص الدعم العسكري، ما انعكس مباشرة على قدرة الجيش الأوكراني على الصمود ورفع كلفة الخسائر البشرية.

رابعاً، بالغ ترامب في تقدير قدرته على التأثير الشخصي في بوتين. فالعلاقة التي ظن أنها كفيلة بإقناع الكرملين بالسلام لم تمنع روسيا من رفض المقترحات الأميركية ومواصلة القصف المكثف. ورغم تصاعد إحباط ترامب وتهديده بعقوبات، ظل متردداً في اتخاذ خطوات رادعة حاسمة لفترة طويلة.

خامساً، في موازاة التردد السياسي، واصل ضباط في الجيش الأميركي ووكالة الاستخبارات المركزية دعم أوكرانيا سراً. سمح ذلك بتنفيذ ضربات دقيقة بطائرات مسيّرة استهدفت مصافي النفط الروسية وبنية الاقتصاد الحربي، مُلحقة خسائر يومية كبيرة بموسكو، ومظهرة انقساماً بين مؤسسات الدولة الأميركية حيال كيفية إدارة الصراع.

سادساً، وعلى نحو غير تقليدي، شهدت العلاقة الشخصية بين ترامب وزيلينسكي تحسناً لافتاً بعد فترة توتر حادّ. تفاعلات إنسانية عفوية، بدأت بتعليقات ترامب عن النساء الأوكرانيات، ساهمت في تليين موقفه تجاه زيلينسكي، وأعادت بعض الدفء إلى علاقة سياسية متأزمة.

 

ترامب وزيلينسكي، (أ ف ب).

ترامب وزيلينسكي، (أ ف ب).

 

ويقول أستاذ العلاقات الدولية خالد العزي لـ"النهار" إن الخلاف بين إدارة ترامب وأوكرانيا كان واضحاً منذ وصول ترامب إلى السلطة، حيث كان هدفه الأساسي إنهاء الحرب الأوكرانية الروسية بسرعة، دون موقف متوازن أو منصف للطرفين. ترامب كان ميّالاً أكثر للسردية الروسية، كما تجلى في الورقة المقدمة من كوشنر وويتكوف التي ضمّت 24 بنداً، والتي كانت تهدف إلى الضغط على أوكرانيا لفرض استسلامها.

ويضيف أن أوروبا كان لها موقف حازم، إذ اعتبرت أن أوكرانيا تحارب من أجل الأمن القومي الأوروبي، وليست مجرد مسألة دعم زيلينسكي. وبفضل هذا الموقف الأوروبي، تم تعديل الورقة بحيث استفادت أوكرانيا من بعض البنود، فيما حاول الروس الالتفاف على التفاصيل الدقيقة خوفاً من التصادم المباشر مع ترامب. 

وأوضح العزي أن الخلاف لم يكن فقط بين ترامب وأوكرانيا، بل داخل البيت الأبيض نفسه، حيث كان هناك صراع بين الخارجية ومستشاري ترامب حول استراتيجيات التعامل مع الملف الأوكراني، إضافة إلى ضغط الكونغرس على الإدارة بسبب ممارسات الرئيس الأميركي. ترامب كان يسعى لإبرام صفقة على الهامش لتسجيل مكاسب شخصية، مستفيداً من ضعف روسيا الموقت، بينما بدأت أوروبا وأوكرانيا بامتصاص نقمته واستثمار الورقة لمصلحتهما.

بدوره، يقول الدكتور في العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية إياد سكرية لـ"النهار" إن ترامب شخصية فريدة في السياسة الخارجية، حيث نقل أسلوبه العملي إلى عالم السياسة، معتبراً أن سياسته تقوم على مبدأ "لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة"، ويركز على المصالح الأميركية قبل أي اعتبارات تحالفية أو أخلاقية. أسلوب ترامب يقوم على التفاوض مع جميع الأطراف، سواء كانوا أصدقاء أو خصوماً، إن كانت المصلحة تتطلب ذلك، بخلاف بايدن الذي تبنّى نهجاً تقليدياً قائماً على التحالف مع الحلفاء التقليديين.

ويضيف أن ترامب سعى إلى بناء علاقات شخصية مع قادة مثل الرئيس الروسي، مستفيداً من الانسجام الشخصي والتبادل المصالحي بين الدول. استراتيجية ترامب تقوم على استغلال نقاط ضعف الأطراف الأخرى لتحقيق مصالح أميركية.

ويشير الى أن ترامب يعتمد مبدأ "أميركا أولاً" في التعامل مع أوروبا وأوكرانيا، معتبراً أن دعم أي طرف مرتبط بمكاسب واضحة للولايات المتحدة، مثل استغلال الثروات المعدنية في أوكرانيا. أسلوبه يجمع بين الديبلوماسية الناعمة والضغط العسكري أو الاقتصادي حسب الحاجة.

 

تُظهر الأزمة الأوكرانية كيف تتحرّك المصالح فوق الولاءات، حيث يحاول كل طرف تحقيق مكاسب استراتيجية. لكن يبقى السؤال: كيف ستتطوّر العلاقة بين أوكرانيا والولايات المتحدة في ضوء الضغوط الأميركية والرهانات الروسية المستقبلية؟